ابن قيم الجوزية

75

الوابل الصيب من الكلم الطيب

من ذكره ، ولذكره الله تعالى إياكم أكبر من ذكركم إياه ، وهذا يروى عن ابن عباس وسلمان وأبي الدرداء وابن مسعود رضي الله عنهم ، وذكر ابن أبي الدنيا عن فضيل ابن مرزوق عن عطية { ولذكر الله أكبر } قال : وهو قوله تعالى : { فاذكروني أذكركم } فذكر الله تعالى لكم أكبر من ذكركم إياه . وقال ابن زيد وقتادة : معناه : ولذكر الله أكبر من كل شيء . وقيل لسلمان : أي الأعمال أفضل ؟ أما تقرأ القرآن { ولذكر الله أكبر } ويشهد لهذا حديث أبي الدرداء المتقدم « ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق » الحديث . وكان شيخ الإسلام أبو العباس قدس الله روحه يقول : الصحيح أن معنى الآية أن الصلاة فيها مقصودان عظيمان ، وأحدهما أعظم من الآخر : فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر ، وهي مشتملة على ذكر الله تعالى ، ولما فيها من ذكر الله أعظم من نهيها عن الفحشاء والمنكر . وذكر ابن أبي الدنيا عن ابن عباس أنه سئل : أي العمل أفضل ؟ قال : ذكر الله أكبر . وفي السنن عن عائشة عن النبي صلى اله عليه وسلم قال : « إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله تعالى » رواه أبو داود والترمذي وقال : حديث حسن صحيح . ( السادسة والخمسون ) أن أفضل أهل كل عمل أكثرهم فيه ذكراً لله عز وجل ، فأفضل الصوام أكثرهم ذكراً لله عز وجل في صومهم ، وأفضل المتصدقين أكثرهم ذكراً لله عز وجل ، وأفضل الحاج أكثرهم ذكراً لله عز وجل . وهكذا سائر الأحوال . وقد ذكر ابن أبي الدنيا حديثاً مرسلاً في ذلك « أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل : أي أهل المسجد خير ؟ قال : أكثرهم ذكراً لله عز وجل قيل : أي الجنازة خير ؟ قال : أكثرهم ذكراً لله عز وجل قيل : فأي المجاهدين خير ؟ قال : أكثرهم ذكراً لله عز وجل قيل فأي الحجاج خير ؟ قال : أكثرهم ذكراً لله عز وجل قيل : وأي العباد خير ؟ قال : أكثرهم ذكراً لله عز وجل » قال أبو بكر : ذهب الذاكرون بالخير كله . وقال عبيد بن عمير : إن أعظمكم هذا الليل أن تكابدوه ، وبخلتم على المال أن تنفقوه ، وجبنتم عن العدو أن تقاتلوه : فأكثروا من ذكر الله عز وجل .